ابن أبي الحديد

113

شرح نهج البلاغة

وروى أبو عبيدة أيضا في هذا الكتاب ، قال : قدم عمرو بن معديكرب والأجلح بن وقاص الفهمي على عمر ، فأتياه وبين يديه مال يوزن ، فقال : متى قدمتما ؟ قالا : يوم الخميس ، قال : فما حبسكما عنى ؟ قالا : شغلنا المنزل يوم قدمنا ، ثم كانت الجمعة ، ثم غدونا عليك اليوم . فلما فرغ من وزن المال نحاه ، وأقبل عليهما ، فقال : هيه ! فقال عمرو بن معديكرب يا أمير المؤمنين هذا الأجلح بن وقاص ، الشديد المرة البعيد الغرة ، الوشيك الكرة ، والله ما رأيت مثله حين الرجال صارع ومصروع والله لكأنه لا يموت . فقال عمر للأجلح - واقبل عليه ، وقد عرف الغضب في وجهه : هيه يا أجلح ! فقال الأجلح : يا أمير المؤمنين تركت الناس خلفي صالحين ، كثيرا نسلهم ، دارة أرزاقهم خصبة بلادهم ، أجرياء على عدوهم ، فأكلا عدوهم عنهم ، فسيمتع الله بك ، فما رأينا مثلك إلا من سبقك ، فقال : ما منعك ان تقول في صاحبك مثل ما قال فيك ؟ قال : ما رأيت من وجهك ، قال : أصبت ، اما انك لو قلت فيه مثل الذي قال فيك لأوجعتكما ضربا وعقوبة فإذ تركتك لنفسك فسأتركه لك ، والله لوددت لو سلمت لكم حالكم ، ودامت عليكم أموركم . أما انه سيأتي عليك يوم تعضه وينهشك ، وتهره وينبحك ، ولست له يومئذ وليس لك ، فان لا يكن بعهدكم ، فما أقربه منكم . * * * لما أسر الهرمزان صاحب الأهواز وتستر وحمل إلى عمر ، حمل ومعه رجال من المسلمين ، فيهم الأحنف بن قيس وأنس بن مالك فأدخلوه في المدينة في هيئته ، وعليه تاجه الذهب وكسوته ، فوجدوا عمر نائما في جانب المسجد ، فجلسوا عنده ينتظرون انتباهه ، فقال الهرمزان : أين عمر ؟ فقالوا : هو ذا ، قال : وأين حراسه وحجابه ؟ قالوا : لا حارس له ولا حاجب ، قال : فينبغي ان يكون هذا نبيا ! قالوا : انه يعمل عمل الأنبياء .